الآلوسي
112
تفسير الآلوسي
عليه أن الحمل على التقييد مع كون الواو للنسق ممنوع ، وكذا جعلها للحال مع لا الناهية ، وأيضاً القراءة بإسقاطها تدل على عدم اعتبار ذلك التقييد ولا يخلو عن شيء ، هذا وقد ألفت في تحقيق هذا الاستثناء عدة رسائل : منها رسالة للحمصي . وأخرى للعلامة الكافيجي ألفها لبعض سلاطين آل عثمان غمرهم الله سبحانه بصنوف الفضل والإحسان حين طلب منه لبحث وقع في مجلسه ذلك ، وبالجملة القول بالانقطاع أقل تكلفاً فيما يظهر ، والقول بأنه حينئذٍ لا يبقى ارتباط لقوله سبحانه : * ( إنَّهُ مُصيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ) * ناشىء من عدم الالتفات فلا ينبغي أن يلتفت إليه كما لا يخفى على من أحاط خبراً بما تقدم نقله فتأمل ، وضمير * ( إنه ) * للشأن ، و * ( ما أصابهم ) * مبتدأ ، و * ( مصيبها ) * خبره ، والجملة خبر - إن - الذي اسمه ضمير الشأن ، وفي " البحر " إن * ( مصيبها ) * مبتدأ ، و * ( ما أصابهم ) * خبره ، والجملة خبر إن ، ويجوز على مذهب الكوفيين أن يكون * ( مصيبها ) * خبر - إن - و * ( ما ) * فاعل به لأنهم يجوزون أنه قائم أخواك ، ومذهب البصريين أن ضمير الشأن لا يكون خبره إلا جملة مصرحاً بجزأيها فلا يجوز هذا الإعراب عندهم ، والأولى ما ذكر أولاً ؛ والجملة إما تعليل على طريقة الاستئناف أو خبر - لامرأتك - على قراءة الرفع ، والمراد من * ( ما ) * العذاب ، ومن * ( أصابهم ) * يصيبهم والتعبيرية دونه للإيذان بتحقق الوقوع ، وفي الإبهام . واسمية الجملة . والتأكيد ما لا يخفى . * ( إنَّ مَوْعَدُهُم الصُّبْحُ ) * أي موعد عذابهم وهلاكهم ذلك ، وكأن هذا على ما قيل : تعليل للأمر بالإسراء والنهي عن الالتفات المشعر بالحث على الإسراع ، وقوله سبحانه : * ( ألَيْسَ الصُّبْحُ بقَريب ) * تأكيد للتعليل ، فإن قرب الصبح داع إلى الإسراع للتباعد عن مواقع العذاب ، وروي أنه عليه السلام سأل الملائكة عليهم السلام عن وقت هلاكهم فقالوا : موعدهم الصبح ، فقال : أريد أسرع من ذلك ، فقالوا له : * ( أليس الصبح بقريب ) * . ولعله إنما جعل ميقات هلاكهم الصبح لأنه وقت الدعة والراحة فيكون حلول العذاب حينئذٍ أفظع ولأنه أنسب بكون ذلك عبرة للناظرين . وقرأ عيسى بن عمر * ( الصبح ) * بضم الباء قيل : وهي لغة فلا يكون ذلك اتباعاً . * ( فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ مَّنْضُودٍ ) * * ( فَلَمَّا جَاءَ أمْرُنَا ) * أي عذابنا . أو الأمر به ، فالأمر على الأول واحد الأمور ، وعلى الثاني واحد الأوامر ، قيل : ونسبة المجىء إليه بالمعنيين مجازية ، والمراد لما حان وقوعه ولا حاجة إلى تقدير الوقت مع دلالة لما عليه . وقيل : إنه يقدر على الثاني أي جاء وقت أمرنا لأن الأمر نفسه ورد قبله ، ونحن في غنى عن ادعاء تكراره ، ورجح تفسير الأمر بما هو واحد الأوامر - أعني ضد النهي - بأنه الأصل فيه لأنه مصدر أمره ، وأما كونه بمعنى العذاب فيخرجه عن المصدرية الأصلية وعن معناه المشهور الشائع ، وبجعل التعذيب مسبباً عنه بقوله سبحانه : * ( جَعَلْنَا عَاليَهَا سَافلَهَا ) * فإنه جواب * ( لما ) * والتعذيب نفس إيقاع العذاب فلا يحسن جعله مسبباً عن ذلك بل العكس أولى إلا أن يؤول المجىء بإرادته ، وضمير * ( عاليها - و - سافلها ) * لمدائن قوم لوط المعلومة من السياق وهي المؤتفكات ، وهي خمس مدائن : ميعة . وصعره . وعصره . ودوما . وسدوم . وقيل : سبع أعظمها سدوم ، وهي القرية التي كان فيها لوط عليه السلام ، وكان فيها على ما روي عن قتادة أربعة آلاف ألف إنسان أو ما شاء الله تعالى من ذلك ، وقيل : إن هذا العدد إنما كان في المدائن كلها ، وقيل : إن ما كان في المدائن أكثر من ذلك بكثر ، والله تعالى أعلم .